الشنقيطي

115

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تَأْكُلُونَ ( 5 ) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( 6 ) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [ النحل : 5 - 7 ] . إنها نعم متعددة ومنافع بالغة لم توجد في سواها البتة ، وكل منها دليل على القدرة بذاته . أما الجبال فهي مما يملأ عيونهم في كل وقت ويشغل تفكيرهم في كل حين ، لقربها من حياتهم في الأمطار والمرعى في سهولها ، والمقيل في كهوفها وظلها ، والرهبة والعظمة في تطاولها وثباتها في مكانها . وقد وجه الأنظار إليها أيضا في موطن آخر في قوله تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ( 6 ) وَالْجِبالَ أَوْتاداً [ النبأ : 6 - 7 ] ، ثوابت ، كما بين تعالى أنها ، رواسي للأرض أن تميد بكم وَالْجِبالَ أَرْساها ( 32 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [ النازعات : 32 - 33 ] . فهي مرتبطة بحياتهم وحياة أنعامهم كما أسلفنا . أما السماء ورفعها أي ورفعتها في خلقها وبدون عمد ترونها وبدون قطور أو تشقق على تطاول زمنها ، فهي أيضا محط أنظارهم ، وملتقى طلباتهم في سقيا أنعامهم . ومعلوم أن خلق السماء والأرض من آيات اللّه الدالة على البعث ، كما تقدم مرارا . وتقدم للشيخ عند قوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 164 وآل عمران : 190 ] الآية . بيان كونها آية . أما الأرض وكيف سطحت ، فإن الآية فيها مع عمومها كما في قوله : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : 57 ] . وقوله : كَيْفَ سُطِحَتْ آية ثابتة ، لأن جرمها مع إجماع المفسرين على تكويرها ، فإنها ترى مسطحة أي من النقطة التي هي في امتداد البصر ، وذلك يدل على سعتها وكبر حجمها ، لأن الجرم المتكور إذا بلغ من الكبر والضخامة حدا بعيدا يكاد سطحه يرى مسطحا من نقطة النظر إليه ، وفي كل ذلك آيات متعددات للدلالة على قدرته تعالى على بعث الخلائق ، وعلى إيقاع ما يغشاهم على مختلف أحوالهم . وتقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه التنبيه على هذا المعنى ، عند الكلام على قوله تعالى : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 101 ] الآية . من سورة يونس .